يرى الباحث ماهدر نيسيبو في مستهل تحليله أن التقارب المتسارع بين مصر وإريتريا يتجاوز التصريحات الرسمية التي تربطه بأمن البحر الأحمر، ويكشف عن دوافع أعمق ترتبط بصراع المصالح حول مياه النيل. حملت زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى أسمرة خلال أبريل الماضي دلالات سياسية واسعة، إذ رافقه وفد ضم مسؤولين وشركات مصرية تعمل في قطاعات متعددة، بينما تحدث الجانبان عن رغبة في إحداث نقلة نوعية في العلاقات الثنائية.
وذكر موقع هورن ريفيو أن سلسلة الزيارات المتبادلة بين القاهرة وأسمرة جاءت في سياق تحركات إقليمية متزايدة، خصوصًا بعد زيارة وفد إريتري رفيع إلى القاهرة قبل ذلك بفترة قصيرة. حملت تلك التحركات رسالة سياسية موجهة بصورة كبيرة إلى أديس أبابا، وأظهرت أن إريتريا تقترب تدريجيًا من الفلك السياسي المصري.
يربط التحليل بين هذا التقارب وبين ملف سد النهضة الإثيوبي، حيث أعلنت إثيوبيا خططًا لبناء ثلاثة سدود إضافية على نهر أباي بعد افتتاح سد النهضة رسميًا عام 2025. كشف هذا المسار، وفق التحليل، محدودية قدرة القاهرة على تغيير سياسات أديس أبابا عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، ودفعها إلى تبني مقاربة مختلفة تعتمد على بناء شبكات ضغط إقليمية حول إثيوبيا.
البحر الأحمر أداة ضغط لا هدفًا مستقلاً
يؤكد التحليل أن القاهرة تعرض تحركاتها تحت عنوان حماية أمن البحر الأحمر، إلا أن الهدف الأعمق يتعلق باستخدام الممرات البحرية كورقة تأثير على إثيوبيا. تعتمد إثيوبيا بصورة كبيرة على الموانئ المجاورة في تجارتها الخارجية، لذلك يحمل أي تموضع سياسي أو عسكري مصري قرب تلك الممرات دلالات استراتيجية مهمة.
يشير التقرير إلى أن مصر وقعت خلال الفترة الأخيرة اتفاقات مرتبطة بتطوير ميناء عصب الإريتري ومرافق أخرى في جيبوتي، بما يفتح المجال أمام ترتيبات لوجستية وعسكرية أوسع. يرى الكاتب أن القاهرة تسعى إلى إحاطة الطموحات الإثيوبية المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر بشبكة من الضغوط الإقليمية، بما يرفع تكلفة تحركات أديس أبابا المستقبلية.
ويضيف التحليل أن تقارير تحدثت عن استعداد مصري لدعم حصول إثيوبيا على منفذ تجاري بحري مقابل تقديم تنازلات مرتبطة بملف النيل وتقليص الطموحات العسكرية الإثيوبية على الساحل. يكشف هذا الطرح، وفق الكاتب، أن البحر الأحمر لا يمثل غاية مستقلة في السياسة المصرية، بل يشكل ورقة تفاوضية مرتبطة مباشرة بالنيل.
إريتريا بين المكاسب السياسية ومخاطر الارتباط
يتوقف التحليل أيضًا عند الجانب الاقتصادي للعلاقة بين القاهرة وأسمرة، ويعتبر أن الاتفاقات الاقتصادية المعلنة تحمل قيمة سياسية أكثر من كونها استثمارات فعلية واسعة النطاق. تعاني إريتريا اقتصادًا محدود الانفتاح، بينما تواجه مصر تحديات اقتصادية وضغوطًا مالية كبيرة تجعل قدرتها على ضخ استثمارات خارجية واسعة محل تساؤل.
ويرى الكاتب أن الأهمية الحقيقية تظهر في محاولات القاهرة رفع مكانة إريتريا دبلوماسيًا وإدماجها في شبكة علاقات إقليمية ودولية أوسع تشمل دول الخليج والولايات المتحدة. لعبت مصر دور الوسيط في تقارب أسمرة مع أطراف دولية، وهو ما يمنح إريتريا مساحة أكبر للحضور السياسي.
لكن التحليل يطرح تساؤلًا مهمًا بشأن مستقبل السياسة الخارجية الإريترية. اعتاد الرئيس الإريتري أسياس أفورقي تجنب الارتهان لقوة إقليمية واحدة والحفاظ على هامش واسع للمناورة بين القوى المختلفة. غير أن تعمق الشراكة مع القاهرة قد يقلص هذه المساحة تدريجيًا، ويجعل أسمرة أكثر ارتباطًا بالأولويات الاستراتيجية المصرية.
ويخلص الكاتب إلى أن مصر تنظر إلى إريتريا باعتبارها جزءًا من منظومة ضغط أوسع تستهدف التأثير على إثيوبيا في ملف النيل، بينما قد تجد أسمرة نفسها مع مرور الوقت أقل قدرة على الحفاظ على نهجها التقليدي القائم على الاستقلال والمناورة السياسية.
https://hornreview.org/2026/05/20/what-truly-animates-cairos-deepening-engagement-with-asmara/

